محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

168

الآداب الشرعية والمنح المرعية

قال أحمد : سمعته يقول - يعني بشرا - قال إبراهيم بن أدهم : ما صدق الله عبد أحب الشهرة . وقال المروذي : سمعت أبا عبد الله يقول : من بلي بالشهرة لم يأمن أن يفتنوه لأني لا أفكر في بدء أمري ، طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة . قال ابن عقيل في الفنون : هجران الدنيا في عصرنا هذا ليس من الزهد في شيء ، وإنما المنقطع آنف من الذل فإن مخالطة القدري والتخلي عنهم ثراعة ومن طلق عجوزا مناقرة فلا عجب ، وقال : ما قطع عن الله وحمل النفس على محارم الله فهو الدنيا المذمومة وإن كان إملاقا وفقرا ، وما أوصل إلى طاعة الله فذاك ليس بالدنيا المذمومة وإن كان إكثارا ، وقال الواجب : شكرها من حيث هي نعمة الله وطريق إلى الآخرة وذريعة إلى طاعة الله ، وكل خير يعود بالإفراط فيه شر ، كالسخاء يعود إسرافا ، والتواضع يعود ذلا ، والشجاعة تعود تهورا . وقال بعضهم في قوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ سورة النحل : الآية 97 ] . قال : القناعة . قال ابن عقيل : لو علمت قدر الراحة في القناعة والعز الذي في مدارجها علمت أنها العيشة الطيبة لأن القنوع قد كفى تكلب طباعه ، والطبع كالصبيان الرعن ومن بلي بذلك أذهب وقته في أخس المطالب وفاتته الفضائل فأصبح كمربي طفل يتصابى له ويجتهد في تسكين طباعه تارة بلعبة تلهيه وتارة بشهوة ، وتارة بكلام الأطفال ، ومن كان دأبه التصابي متى يذوق طعم الراحة ، ومن كان في طبعه كذا فمتى يستعمل عقله ؟ قال ابن عقيل : والحياة الطيبة التفويض إلى الله كالصبي حال التربية يفوض أمره إلى والديه ويثق بهما مستريحا من كد التخير ، فلا يتخير لنفسه مع تفويضه إلى من يختار له ، المفوض وثق بالمفوض إليه ، قال ابن عقيل : وعندي أنها في الجنة أعني الحياة الطيبة لأن الطيب الصافي والصفاء في الجنة . وقال أيضا : من عجيب ما نقدت أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار وموت الأقارب والأسلاف والتحسر على الأرزاق بذم الزمان وأهله ، وذكر نكد العيش فيه ، وقد رأوا من انهدام الإسلام ، وتشعث الأديان ، وموت السنن ، وظهور البدع ، وارتكاب المعاصي ، وتقضي العمر في الفارغ الذي لا يجدي ، فلا أحد منهم ناح على دينه ، ولا بكى على فارط عمره ولا تأسى على فائت دهره ، ولا أرى لذلك سببا إلا قلة مبالاتهم بالأديان وعظم الدنيا في عيونهم ، ضد ما كان عليه السلف الصالح : يرضون بالبلاغ وينوحون على الدين انتهى كلامه . وقد تقدم في أول فصول طلب العلم حديث " 1 " " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها " ولمسلم من حديث أبي هريرة " 2 " " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وعن عائشة مرفوعا " 3 " " الدنيا دار

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 2956 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 6 / 71 ) والبيهقي في الشعب ( 7 / 375 / 10638 ) كلاهما من أبي إسحاق عن زرعة -